أحمد بن علي القلقشندي

28

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

مدّته ، ثم يخرج من دنياه كخروجه من بطن أمّه ، إما سعيدا بعمله وإما شقيّا بسعيه . وإنّا - لما وقفنا عليه من سديد مذهبك وقويم طريقتك ، وجميل هديك وحسن سيرتك ، ورجوناه فيك ، وقرّرناه عندك : من سلوك الطريقة المثلى ، واقتفاء آثار أئمة الهدى ، والعمل بالحق لا بالهوى - رأينا تقليدك القضاء بين أهل ثغر برقة ، وأمرناك بتقوى اللَّه الذي لا يعجزه من طلب ، ولا يفوته من هرب ، وبطاعته التي من آثرها سعد ، ومن عمل بها حمد ، ومن لزمها نجا ، ومن فارقها هوى - وأن تواصل الجلوس لمن بحضرتك من الخصوم : صابرا بنفسك على تنازعهم في الحقوق ، وتدافعهم في الأمور ، غير برم بالمراجعات ، ولا ضجر بالمحاكمات : فإنّ من حاول إصابة فصل القضاء ، وموافقة حقيقة الحكم بغير مادّة من حلم ، ولا معونة من صبر ، ولا سهمة من كظم ، لم يكن خليقا بالظَّفر بهما ، ولا حقيقا بالدّرك لهما - وأن تقسم بين الخصمين إذا تقدّما إليك ، وجلسا بين يديك ، في لحظك ولفظك ، وتوفّي كلّ واحد منهما قسمه من إنصافك وعدلك ، حتّى ييأس القويّ من ميلك ، ويأمن الضعيف من حيفك : فإنّ في إقبالك بنظرك وإصغائك بسمعك إلى أحد الخصمين دون صاحبه ما أضلّ الآخر عن حجّته ، وأدخل الحيرة على فكره ورويّته - وأن تحضر مجلس قضائك من يستظهر برأيه ، ومن يرجع إلى دين وحجا وتقى : فإن أصبت أيّدك ، وإن نسيت ذكَّرك - وأن تقتدي في كلّ ما تعمل فيه رويّتك ، وتمضي عليه حكمك وقضيّتك ، بكتاب اللَّه الذي جعله صراطا مستقيما ، ونورا مستبينا ، فشرع فيه أحكامه ، وبيّن حلاله وحرامه ، وأوضح به مشكلات الأمور ، فهو شفاء لما في الصّدور . وما لم يكن في كتاب اللَّه - جل وعز - نصّه فإنّ فيما يؤثر عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حكمه ؛ وما لم يكن في حديث رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم اقتفيت فيه سبيل السّلف الصالح من أئمة الهدى رضي اللَّه عنهم الذين لم يألوا الناس اختبارا ، ولا ادّخروهم نصيحة واجتهادا ، عالما أنك أسعد بالعدل ممن تعدل عليه ، وأحظى بإصابة الحق ممن تصيبه فيه : لما تتعجّله من جميل أحدوثته وذكره ، ويذخر لك من عظيم ثوابه